الواضح في التفسير

الواضح في التفسير(الحلقة الأولى)أ. محمد خير رمضان يوسف>سورة الفاتحةوسورة البقرة، الآيات (1-25)مقـدِّمةالحمدُ للهِ مُن ..




03-29-2014 23:06
 offline 
المشاركات
3437
تاريخ الإنضمام
09-30-2013
قوة السمعة
259
الدولة
Algeria
الجنس
ذكر



الواضح في التفسير


(الحلقة الأولى)



أ. محمد خير رمضان يوسف
>
سورة الفاتحة


وسورة البقرة، الآيات (1-25)



مقـدِّمة

الحمدُ للهِ مُنْزِلِ القرآن، والصلاةُ والسلامُ على مَن خُلُقهُ القرآن، وعلى آلهِ وأصحابهِ الذين علَّموا القرآن، ومَن تبِعهم بإحسانٍ مِن أُمَّةِ القرآن.



وبعدُ:

فإنَّ القرآنَ الكريمَ كتابُ هِدايةٍ وأحكام، وسُلوكٍ وعقيدة، ووَعْظٍ وقَصَص، ووصايا وعِبَر، وبشاراتٍ ونُذُر... أَنْزَلَهُ اللهُ خِتامًا للكُتبِ السماويَّة؛ ليكونَ مَرجِعًا للناسِ، ودُستورًا لهم في شؤونِ الحياة، مادامتْ هناك حياةٌ.

ومع عَظَمَةِ القرآن، وجلالَةِ قَدْرِه، وسُمُوِّ أحكامِه، فإنَّ النَّاسَ قد أَعرَضوا عنه، إلا مَنْ رَحِمَ اللهُ.

وكانتِ الهجمةُ قويةً ومخطَّطًا لها من قِبَلِ أعداءِ الإسلام؛ لإبعادِ مصدرِ القوَّةِ عندَ المسلمينَ من ساحةِ الحياة، فكان ما كان، واللهُ المسؤولُ أنْ يجمَعَنا تحتَ رايةِ الحقِّ، ويُعِزَّنا بدينِه، وينصُرَنا على القومِ الكافرين؛ ليعودَ القرآنُ سيِّدَ الأحكام، وعَلَمًا يَعْلو في كلِّ مكان، لا يُعلى عليه شيء.

وهو كلامُ اللهِ المُعجِز، الَّذي لا يَقْدِرُ أحدٌ أن يأتيَ بمِثْلِهِ أو جزءٍ منه، وَصَلَ إلينا بالتَوَاتُر؛ فنَقَلَهُ جَمْعٌ غفيرٌ عن جَمْعٍ كبير، تُحِيلُ العادةُ تَوَافُقَهُمْ على الكذبِ، وَصَلَنا من خلالِ الصُّدورِ وعَبْرَ السُّطور، كما أُنْزِلَ على مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، وقد تكفَّلَ اللهُ بحفْظِهِ دونَ الكُتُبِ السَّابقة؛ فقال عزَّ مِنْ قائلٍ: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحِجْر:9].r />

وله علومٌ كثيرة، دَرَسَها العلماءُ جَمْعًا وإفرادًا؛ كأسبابِ النُّزول، والمناسباتِ بينَ الآيات، والتفسير، والوجوهِ والنَّظائر، والمُحْكَمِ والمُتَشَابِه، والمكِّيِّ والمَدَنيِّ، والغريب، والأحكام، والقراءات، والتَّجويد، والنحوِ والإعراب، والخَطِّ، والتدوين، والفضائل، وآدابِ التلاوة، والأمثال، والقَصَص، والنَّاسِخِ والمنسوخ، والإعجازِ بأنواعِه... وغيرِها.

وتفسيرُ القرآنِ الكريمِ مرغوبٌ فيه ومندوبٌ إليه؛ يقولُ اللهُ تباركَ وتعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأْلْبَابِ} [ص:29].

ويقولُ سبحانَهُ: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ}[النساء:82].

ولا يكونُ هناك تدبُّرٌ للآياتِ إلا مِن خلال فَهْمِها، ولا يُفْهَمُ كُلُّها إلا بعد إيضاحٍ وبيان، وهو ما نُسمِّيه (التَّفسير).

وقد ذمَّ اللهُ أهلَ الكتابِ لأنهم كتموا العلمَ ولم يُبَيِّنُوهُ للنَّاسِ؛ فقالَ جلَّ شأنه: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ} [آل عمران:87]. فلا نكونُ مِثْلَهُمْ، وإلا كان مصيرُنا مصيرَهُم.

وقد سلكَ المفسِّرونَ طرائقَ شتَّى في تفسيرِ القرآنِ الكريمِ، وهم يقولون – وَصَدَقُوا - إن أحسنَ طُرُقِهِ أن يُفسَّرَ بالقرآنِ نفسِه؛ فإنه يصدِّقُ بعضُهُ بعضًا، ثم بالسُّنَّةِ التي جاءت مُبَيِّنَةً له، ثم بأقوالِ الصحابة؛ فإنَّهم تلامذةُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي نزلَ عليه القرآنُ وهو بين ظَهْرَانَيْهِمْ، ثم بأقوالِ التَّابعينَ الذين تلقَّوْا كلَّ هذا من الصحابة؛ فهم أدرى بأقوالِهِمْ، وكانوا الأفضلَ بَعْدَهم.

وقد غلبَ على تفسيرِ بعضِ المفسِّرين العلمُ الذي اشتغلوا به وبرزوا فيه، وفي كلِّها خيرٌ - إن شاء الله.

كما صدرتْ تفاسيرُ في هذا العصر، فيها اهتماماتٌ وتخصُّصاتٌ جديدةٌ حَسْبَمَا يتطلبُه، لم تكنْ في السَّابق.

وقد دعوتُ اللهَ أن يجعلَني من المشتغِلينَ بكتابِهِ الكريمِ، بما يَفتَحُهُ عليَّ ويوفِّقُني إليه، فقدَّرَ سبحانَهُ أن يكونَ ذلك تفسيرًا وَتِبْيانًا للقرآن، كما يراهُ القارئُ، فهو مِنَّةٌ من الله وفضلٌ؛ فله الحمدُ وله الشكر.

وقد اتَّجَهْتُ في كثيرٍ من كتاباتي إلى العامَّةِ مِنَ المسلمين، مِن ذَوِي الثقافاتِ العاديةِ، حتى لا يُفْقَدُوا، وهم جمهورُ الأُمَّةِ وصوتُها وقُوَّتُها وعاطِفَتُها، فلو أنَّ كلَّ ذي تخصُّصٍ كتبَ في تخصُّصِهِ بِقَلَمِهِ ومُصطلحاتِهِ وتعقِيداتِهِ لَمَا أفادهم، وَلَمَا أقبلوا على ما يَكتُب، فكان إهمالُهم لَهُمْ إهمالاً لقاعدةٍ عظيمةٍ من المجتمع، لا تُدرَكُ نتائجُهُ إلا بعد حين، وهم ـ كما نَرَى الآن ـ يَتَّجِهونَ إلى كتاباتٍ ووسائلَ إعلاميَّةٍ تُلائمُ مُستواهُم، وفيها ما فيها، فهربَ الكثير منهم وفُقِدُوا... أو كادوا.

ولذلك جاءَ هذا التفسيرُ على نَهْجِ ما قُلْتُ، فأَحْبَبْتُ أن أَضَعَهُ بينَ يَدَيِ القارِئِ العادِيِّ، ليُعْطِيَ المعنى والمفهومَ لكلِّ آيةٍ على حِدَةٍ، بحيث يستطيعُ أن يَستوعِبَهُ ويفهمَ معناه؛ كما يَقْرَأُ أيَّ موضوعٍ في وسائلِ الإعلامِ المقروءةِ المعاصِرة، دون تفصيلٍ ولا إيجاز، مع عنايةٍ بالكلمة، واهتمامٍ بالتَّركيب، تَسْمُو به لُغَةُ القارئِ وثقافتُهُ.

وقد رَكَّزْتُ على الجانبِ التعبيريِّ والإنشائيِّ، ولو تكرَّرتْ فيه ألفاظٌ وصفاتٌ؛ فهو يرسِّخُ المعنى ويَصِلُ إلى الفِكرِ والقلب، كما استخدمْتُ الأسلوبَ التربويَّ والدَّعَوِيَّ للتَّأثيرِ، وهو موجودٌ ضِمْنًا في الآيات، إضافةً إلى البيانِ وزادِ المعرفةِ الحقيقيِّ.

ولم أَتَطَرَّقْ إلى جوانبَ نحويَّةٍ وبلاغيَّةٍ وكَلاميَّةٍ، وكثيرٍ من تفاصيلِ المفسِّرين وتخصُّصاتِهِم، ولا شواهدَ كثيرةٍ ولا هوامش؛ بل أردتُ المعنى المباشِرَ المتَّصِلَ بالآيةِ الكريمة، وكفَى به عِلْمًا وفائدة، وهو ما يريدُ أن يعرِفَهُ القارئُ العادِيُّ، أو المقبِلُ على الإسلام، ليفهَمَ ما هو القرآنُ، وماذا يريد، وماذا تَعنِي آياتُهُ بدِقَّة؛ يَعْنِي: ماذا يريدُ اللهُ من عبادِهِ في كتابِهِ الكريم هذا؟ فكانَ هذا "التفسيرَ الواضحُ"، الذي أَردتُ أن أُوَسِّعَ من دائرةِ المستفيدينَ منه.

فليس المقصودُ بالمثقَّفِ العادِيِّ ما يَتَبَادَرُ إلى ذهنِ القارئِ وحْدَه؛ بل هو كلُّ مَن لم يَدْرُسِ العلومَ الشرعيَّةَ؛ فقد يكونُ في أعلى الدرجاتِ العلميَّة، وحاصلاً على أرقى الشهاداتِ المتخصِّصَة، لكنَّها في غيرِ الإسلامِ وعلومِه، وهو بهذا يحتاجُ إلى أن يَعرِفَ عِلْمًا جديدًا، أو أن يَتوسَّعَ فيه من خلالِ معرفةِ محتوى القرآنِ العظيمِ.

وهو أيضًا لِمن يريدُ أن يَعرفَ مضمونَهُ من غيرِ المسلمين، أو ممَّن اهتدى منهم إلى الإسلامِ، سواءٌ كان عارفًا بالعربية أو تُرجِمَ له.

فالأمرُ كُّلهُ يتلخَّصُ في أنه تفسيرٌ بَيِّنٌ واضح، يَفهمُهُ جميعُ فئاتِ المجتمعِ، متعلِّمُهم ومتخصِّصُهم، إذا أُريدَ المعنى دونَ التفصيل.

والذي شجَّعني على الإقدامِ على تفسيرِ كتابِ الله الكريمِ، هو وجودُ تفاسيرَ جليلةٍ كانت عَوْناً لي على هذا العملِ. وقدِ اعتمَدْتُ على كثيرٍ منها، لكنَّ أبرزَها وأهمُّها: "تفسيرُ القرآنِ العظيم" لابن كثير، وفيه أولُ نظري، ومنه أكثرُ استفادتي. و "معالمُ التنزيلِ" للبغويّ، و "إرشادُ العقلِ السليمِ إلى مَزَايا الكتابِ الكريم" لأبي السُّعود، و"روح المعاني في تفسيرِ القرآن العظيمِ والسبعِ المثاني" لمحمود الآلوسي، و"في ظلالِ القرآن" لسَيِّد قُطْب.

ثم تأتي تفاسيرُ أخرى عديدة.

وقد أَنْقُلُ عباراتٍ للمفسِّرينَ كما هي، أو ممَّا يَنقُلون هم من غيرهم، إذا وافَقَتِ الأسلوب، وكانتْ ملائمةً لنصِّ العبارة، فالمُهِمُّ هو أن يُعطَى البيانُ التامُّ باللفظِ المناسبِ والتَّركيبِ الملائمِ، وألاَّ يَقِفَ أمامَ ذلك عائقٌ.

وقد أَكْتَفِي بما تَدلُّ عليه الآيةُ أو أَزِيد، حَسْبَمَا أَراهُ مناسبًا لِمَا يتعلَّقُ بها، ومن أرادَ تفاصيلَ أكثرَ فعَلَيْهِ بالتفاسيرِ الكبيرة.

وقد أَختارُ وجهًا أو أكثرَ في التفسير، أو أَضُمُّ مَعْنَيَيْنِ متقارِبَيْنِ إليه إذا لم يتبيَّنْ ليَ الأصحُّ في ذلك.






وما فسَّرتُ آيةً إلا ورَجَعْتُ فيها إلى تفسيرٍ أو أكثرَ لأعرفَ معناها، ولم أطمَئِنَّ إلى ما كتبتُ إلا إذا عرفْتُ أن الآيةَ قد وَضُحَتْ للقارِئِ تمامًا، فإذا توقَّفَ المفسِّرون في شيءٍ ولم يُبَيِّنوه؛ فعلتُ ما فعلوا، وإذا تضاربتْ أقوالُهم في المتشابهاتِ وما إليها، أَوردتُ نصَّ القرآن أو قريبًا منه؛ خوفًا ورهبةً.

وقد جاءَ تفسيرهُ على نسقِ الضميرِ الواردِ في الآيات؛ فهو أصدقُ وأقربُ إلى القلوب، وأكثرُ رهبةً وَإِيحَاء، وهو متنوِّعٌ في القرآنِ وليس على مثالٍ واحد، مما يُثيرُ الانتباهَ في النَّفسِ، ويُبعدُ الملل؛ بل يَزيدُ منَ المتابعةِ والتشويق.

ودَعَوْتُ اللهَ أن يَهْدِيَني ويُسَدِّدَني كُلَّمَا جَلَسْتُ إلى تفسيرِ كتابِهِ الكريم، وكنتُ أتعوَّذُ بِهِ - سبحانه – من أن أفسِّرَهُ على غيرِ مراده.

فأَدعُوهُ سبحانَهُ أن يغفِرَ لي زَلَلي وتقصيري فيه، وأن يَتقبَّلَهُ خالِصًا لوجهِهِ الكريم، ويضعَ له القبول، فهو منه وإليهِ، إنَّه سميعٌ عليم.

محمد خير يوسف


• • • • • •

الجزء الأول

سورة الفاتحة

وسورة البقرة الآيات: 1-141


سورةُ الفاتحة


بسم الله الرحمن الرحيم

يَتعوَّذُ المسلمُ باللهِ من الشيطانِ عندَما يَبْدَأُ بقراءةِ القرآنِ الكريمِ؛ لدَفْعِ الوَسْواسِ الَّذِي يُسَبِّبُه. يقولُ اللهُ سبحانه: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ}[النحل:98]، ومعناه: أستجيرُ باللهِ من الشيطانِ المُبْعَدِ عنِ الخيرِ كلِّه، أنْ يَضُرَّني في دِيني أو دُنيايَ، أو يَصُدَّني عن فِعْلِ خيرٍ، أو يَحُثَّني على فِعْلِ شرٍّ.

ويُستعاذُ منه باللهِ لشدَّةِ عَدَاوَتِهِ لابنِ آدم، وعَمَلِهِ على تضلِيلِهِ لإزاحتِهِ عنِ الحقِّ. وقد أَقْسَمَ على ذلك فقال:{فَبِعِزَّتِكَ لأَُْغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ *إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [ص:82، 83]. وقد نبَّهَ اللهُ ابنَ آدمَ إلى ذلك، وحذَّرهم منه؛ فقال: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر:6].


{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}[الفاتحة:1]

1- أَبدَأُ باسمِ اللهِ ذِي الألُوهيَّةِ والمعبودِيَّةِ على خَلْقهِ أجمعين، المتَّصِفِ بالرَّأفةِ والرَّحمةِ الكبيرة.

وفي البدءِ بالبَسْمَلَةِ تَبَرُّكٌ وتَيَمُّنٌ واستعانةٌ على الإتمامِ والتقبُّلِ.


{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الفاتحة: 2]

2- الثناءُ على اللهِ ربِّ الخَلْقِ كلِّهِ، والشُّكرُ خالصًا له على ما تَفَضَّلَ به من النِّعَمِ الكثيرةِ على خَلْقِه، في دِينِهم ودُنياهم، فبيَّنَ لهم الحقَّ ومكَّنَهم مِنَ اتِّباعِهِ، وبَثَّ لهمُ الرِّزقَ ومكَّنَهم من طَلَبِه.

والحمدُ أوَّلُ الفاتحة، وهو آخِرُ الدَّعَوَاتِ الخاتمةِ كذلك: {وآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[يونس:10].


{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3]

3- هو الربُّ المتَّصِفُ بالرَّحمة، صاحبُ الخيرِ والنِّعمة، يَرحَمُ جميعَ خَلْقِه، ورَأْفَتُهُ ورحمتُهُ بالمؤمنينَ خاصَّةٌ.


{مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]

4- وهو المتفرِّدُ بالحُكْمِ يومَ حسابِ الخلائقِ في الآخرة، فلا مُلكَ في ذلك اليومِ لأحدٍ سِواهُ.


{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]

5- نَتَوَجَّهُ بعبادتِنا إليكَ، ونستعينُ بكَ في أمورِنا كلِّها، ونتوكَّلُ عليكَ؛ فلكَ كمالُ الطَّاعةِ يا ربَّنا، نَتبَرَّأ مِنَ الشِّركِ، ونَتبَرَّأ مِنَ الحَوْلِ والقوَّة، ونُفَوِّضُ أَمْرَنا إليك.


{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]

6- نسأَلُكَ يا رَبَّنا أن تُرشدَنا وتوفِّقَنا دائمًا إلى الطَّريقِ الواضحِ الذي لا انحرافَ فيه، وهو اتَّباعُ دِينِكَ، وأن تُثبِّتَنا عليه.


{صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7]

7- طريقَ الذين أحسنْتَ إليهم وأنعَمْتَ عليهم بطاعتِكَ وعبادتِك، من ملائكتِكَ وأنبيائِك، ومَنْ رضيتَ عنهم من سائرِ عبادِك، أهلِ الهدايةِ والاستقامة، والطَّاعةِ والامتثال، وليس طريقَ الذين غضِبْتَ عليهم؛ ممَّن عرفوا الحقَّ ولم يتَّبِعوهُ كاليهود، ولا مَسْلَكَ الذين ضَلُّوا، فما عَرَفوا الحقَّ، وبَقُوا هائمينَ في ضَلالَتِهم، ثم لم يتَّبِعوا نَبيَّك، كالنَّصارى.

سورةُ الفاتحةِ عظيمة؛ فهي أُمُّ الكتابِ والسَّبْعُ المَثَانِي، حاويةٌ على دقائقِ الأسرار، يَقرَؤُها المسلمُ في صلاتِه؛ فلا صلاةَ إلا بها.

ولها فضائلُ كثيرة؛ منها قولهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ وَلاَ فِي الإِنْجِيلِ وَلاَ فِي الزَّبُورِ وَلاَ فِي الفُرْقَانِ مِثْلُهَا))؛ رواهُ أحمدُ بإسنادٍ صحيحٍ.

وقدِ اشتملَتْ على تمجيدِ الله، وإرشادِ الخلْقِ إلى توحيدِه، وسؤالِه، وإخلاصِ العبادةِ له، وطلَبِ هدايتِهِ وتوفيقِهِ للثَّباتِ على المنهجِ الصحيح، وهو الدِّينُ الإسلاميُّ، الذي يُفضِي إلى العاقبةِ الحَسَنَةِ يومَ الحساب.

وفيها التحذيرُ من مسالكِ الباطل؛ كَمَنْ عَرَفَ الحقَّ ولم يتَّبِعْهُ، أو ضلَّ الطريقَ إليه.


• • • • • •

سورةُ البقرة


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

{الم} [البقرة: 1]

1- حروفٌ مُقَطَّعَةٌ لم يَرِدْ في معناها تفسيرٌ ثابتٌ صحيحٌ، وعِلْمهُ عند الله.


{ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ}[البقرة: 2]

2- هذا القرآنُ لا شكَّ أنه نَزَلَ من عِنْدِ الله، وهو نورٌ وتِبْيانٌ للمتَّقين، الذين يَعملونَ بطاعةِ اللهِ ولا يُشْرِكون، الذين يَحْذَرُونَ عقوبةَ اللهِ إذا عرفوا الهُدى ولم يَتَّبِعُوه، ويَرْجونَ رحمةَ اللهِ بالتصديقِ بما جاءَ فيه.


{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3]

3- الذين يُؤمنونَ بالله، وملائكتِه، وكُتُبِه، ورُسُلِه، واليومِ الآخرِ وما فيه، وما ذُكر في القرآن.

ويُقِيمون الصلواتِ المفروضةَ في مواقيتِها، مع إسباغِ الوضوء، وتمامِ الركوعِ والسجود...

ويُؤَدُّونَ زكاةَ أموالِهم كما افْترَضَها اللهُ عليهم.


{وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآْخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [البقرة: 4]

4- والذين يُصدِّقونَ بما جِئْتَ به من اللهِ أيها النبيُّ مُحَمَّدٌ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وما جاءَ به مَن قَبْلَكَ مِنَ المرسَلين، لا يفرِّقون بينهم، ولا يجحدونَ بما جاؤوا به من ربِّهم.

ويصدِّقونَ بالبعثِ والقيامة، والجنةِ، والنار، والحساب، والميزان.


{أُولَئِكَ عَلَى هُدَىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 5]

5- هؤلاءِ الذين آمنوا بالغيبِ، وأقامُوا الصلاةَ، وأدَّوُا الزكاةَ، وآمنوا بما أُنْزِلَ إليك وما أُنزِلَ إلى مَنْ قَبْلَكَ مِنَ الرُّسُل، وأَيْقَنُوا بيومِ القيامة، هؤلاءِ على نورٍ وبصيرةٍ مِنَ الله، وعلى استقامةٍ وسداد، وهمُ الناجحونَ الذين أدركوا ما طلبوهُ بإيمانِهم وعملِهم، وفازوا بالثوابِ والخلودِ في الجِنان، ونَجَوْا منَ العقاب.


{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6]

6- والذين كفروا بما أُنزِلَ إليكَ وأَصرُّوا على مَوْقِفِهم، لا يُؤمِنونَ ما دامُوا كذلك، فهم أشقياءُ لا يسمعونَ منك إنذارًا ولا تحذيرًا.


{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 7]

7- لقد طَبَعَ اللهُ على قلوبِهم وعلى سَمْعِهم، وصارَ على أبصارهم غِشَاوَةٌ؛ نتيجةَ هذا الموقفِ الخطأِ منهم، واستهتارِهم بالإنذار، فكثُرَتْ ذنوبُهم وتَتابَعَتْ حتى أَغلقَتْ مَنَافِذَ الفَهْمِ والتَّبَصُّرِ عندَهم، فلا مَسْلَكَ للإيمانِ إليها، ولا للكفرِ عنها مخلصٌ، وجزاءُ الكُفْرِ العنيدِ، وعدمِ الاستجابةِ للنذيرِ، هو العذابُ العظيم.


{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآْخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 8]

8- وهناكَ المنافقونَ، الذين يُظهرونَ الإيمانَ ويُبْطِنُون الكُفْرَ، ويُبْدُونَ الخيرَ ويُسِرُّون الشرَّ، فيقولون: إنهم يؤمنونَ باللهِ وبيومِ الجزاء، ولكنَّهم في الحقيقةِ غيرُ مؤمنين.


{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 9]

9- ويعتقدونَ – بجهلهم - أنَّهم يَخدعونَ اللهَ بذلك، وأنَّ أُسلوبَهم هذا يَنْفَعُهُمْ عندَه، وأنه يَرُوجُ عليه كما يَرُوجُ على بعضِ المؤمنين، ولكنَّهم بِصَنِيعِهم هذا لا يَضُرُّون إلا أنفسَهم، ولا يسيئُون إلا إلى أنفسِهم في إسخاطِ ربِّهم عليها بكفرِهم، وهم غيرُ شاعرينَ ولا دارين، ولكنهم على عمًى من أمرِهم مقيمون.


{فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 10]

10- في قلوبِهم عِلَّةٌ جعلتهم يَحِيدونَ عنِ الحقِّ ويُصِرُّون عليه، فزادَهم اللهُ بذلك عِلَّةً؛ فإنَّ الانحرافَ يَكْبُر، والمرضَ يزدادُ معَ الإصرار، فَشَكُّوا ولم يحاولوا الإيمان، فزادَهمُ اللهُ شَكًّا، كما أن الذين {اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى} [ محمد:17].

فاستحقَّ المنافقونَ بذلك العقابَ الموجِع، وذلك لكَذِبِهم، وهو مَوْقِفُهمُ المناقضُ للحقِّ، والكَذِبُ أَحَدُ أبوابِ النفاق، وما أَسْرَعَهُ في إفسادِ القلب!


{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} [البقرة: 11]

11- وإذا طُلِبَ منهم عَدَمُ الكُفْرِ، وعَدَمُ العصيانِ؛ لأن ذلك يُؤَدِّي إلى الإفسادِ في الأرضِ، والطاعةَ تُؤَدِّي إلى الإصلاحِ، قالوا في سَفَهٍ وتبجُّحٍ: إِنَّهم يُريدونَ بذلك الإصلاحَ، وأمثالُ هؤلاءِ كُثرٌ، ممنِ اختَلَّتْ موازينُ الحقِّ عندَهم؛ لاختلافِ عقيدتِهم.


{أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ} [البقرة: 12]

12- والحقُّ أن هذا الذي يعتمدونَهُ في منهجِهم، وَيزعُمُونَ أنه إصلاحٌ، هو عينُ الفسادِ، ولكنْ مِن جهلِهم لا يشعرونَ بكَوْنِهِ فَسَادًا.


{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13]

13- وإذا قِيلَ للمنافقينَ آمِنُوا بأركانِ الإيمانِ كما آمَنَ الناسُ، إيمانًا كاملاً لا شكَّ فيه، وأطيعوا اللهَ وامتَثِلوا أوامرَ رسولِهِ كما يفعلون؛ أَنِفُوا منَ الاستسلامِ للحقِّ، وقالوا في غرورٍ وبَلَه: أَنُؤْمِنُ كما آمَنَ هؤلاءِ السفهاءُ- يَعْنُون الصحابةَ رَضِيَ اللهُ عنهم- وَنَصِيرُ وَهُمْ بمنزلةٍ واحدة؟!

لكنَّ الحقَّ أنهمُ الجهلاءُ، فهم ضعيفو الرأيِ وقليلو المعرفةِ بمواضعِ المصالحِ والمضارِّ، ومن تَمامِ جهلِهم أنهم لا يعلمونَ بحالِهم في الضلالةِ والجهل، وهذا أَرْدَى وأبلغُ في السَّفَهِ والعَمَى!


{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14]

14- وإذا لَقِيَ هؤلاءِ المنافقونَ المؤمنينَ أظهروا لهمُ الإيمانَ والموالاة، وأَبْدَوْا لهمُ المحاباةَ والمصافاة، نِفاقًا ومصانعة؛ ليتَّقوا بذلك الأذى، وليتَّخِذوا هذه التَّقيَّةَ وسيلةً لأذاهم، وليشاركوهم فيما يصيبونَهُ من مغنم.

وإذا انصرفوا إلى رؤسائهم وسادتِهم من أحبارِ اليهودِ ورؤوسِ المشركين وكُبَرَاءِ المنافقين، قالوا لهم: نحن معكم، إنما كنا نستهزئُ بهم!.


{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15]

15- وما داموا اختاروا طريقَ الخداعِ والتآمر، والتهكُّمِ والاستهزاء، فإن اللهَ لهم بالمرصادِ، وسيعلمونَ غدًا أنَّ الهُزْءَ والمَكْرَ قد حاقَ بهم {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء:42]، فسوفَ يسخرُ اللهُ بهم للنقمةِ منهم، ويدَعُهم يَخْبِطُون في طريقٍ لا يعرفونَ نهايتَه، ولا يجدونَ سبيلاً إلى الخروجِ منه، فقد طَبَعَ اللهُ على قلوبِهم، وأعمَى أبصارَهُم، نتيجةَ عملهم.

والمَكْرُ والخداعُ والسخريةُ على وجهِ اللعبِ مُنتفٍ عنِ اللهِ عزَّ وجلَّ بالإجماع، وأما معَ وجهِ الانتقامِ والمقابَلَةِ بالعدلِ والمجازاةِ، فلا يمتنعُ ذلك، كما قال ابنُ جريرٍ الطبريُّ.


{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} [البقرة: 16]

16- إنَّهم عَدَلُوا عنِ الهُدى إلى الضلال، وآثَرُوا الكُفْرَ على الإيمانِ الصريح، في تجارةٍ خاسرةٍ من جميعِ الوجوهِ، فما رَبِحَتْ صفقتُهم هذه، وما كانوا راشدينَ في صنيعِهم هذا.


{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اُسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ} [البقرة: 17]

17- ومَثَلُ هؤلاءِ الذين عَدَلوا عن الهُدى إلى الضلال، وآثَرُوا العَمَى على التبصُّر، كمَثَلِ رجلٍ أوقَدَ نارًا في ليلٍ مُدْلَهِمٍّ، فَلَمَّا أضاءتِ النارُ ما حولَها، وانتفعَ بها مُوقدُها، وأبصرَ بها ما حولَهُ، واستأنسَ بها، إذا بها طُفِئَتْ، فصارَ في ظلامِ شديدٍ، لا يُبصرُ ولا يهتدي!.

والمنافقونَ كذلك، رَأَوْا نورَ الإسلامِ، فآمنوا، ثم انقلبوا على وجوههم يَخْبِطُونَ حائرين، مؤثرينَ الضلالَ على الهدى بعدَما تَبيَّنوه. {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ} [المنافقون:3].

فكان جزاؤُهم أن أذهبَ اللهُ عنهم ما ينفعُهم، وهو النور، وأبقى لهم ما يَضرُّهم، وهو الإحراقُ والدُّخَان، وتركهم في ظُلُماتِ الشكِّ والكُفْرِ والنِّفاق، لا يهتدون إلى سبيلِ الخير.


{صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18]

18- لقد عَطَّلوا وظائفَ آذانِهم وألسنتِهم وعيونِهم؛ فلا يسمعونَ خيرًا، ولا يتكلمونَ بما ينفعُهم، ولا يَرَوْنَ الحقَّ، فكيف يَهتدون، وأنَّى يستجيبونَ للهُدى والنور؟


{أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 19]

19- وحالُ هؤلاءِ أيضًا في شكِّهِم وكفرِهم وتردُّدِهم، كمَثَل مَطَرٍ هاطلٍ مِنَ السماءِ في ليلٍ مظلِم، فيه رَعْدٌ قَوِيٌّ مُخِيف، وبَرْقٌ يُضِيءُ في لَمَعانٍ شديد، فصاروا يَجعلونَ أصابعَهم في آذانِهم حَذَرًا من أنْ يُصيبَهم شيءٌ من آثارِها فيموتوا، وهو لا يُجدي عنهم حذرًا، فالله محيطٌ بهم بقدرتِه، وهم تحتَ مشيئتِهِ وإرادتِه.

وتشبيهُ أوجُهِ المَثَلِ: حالُ الظُلُماتِ هي الشكوكُ، والكفرُ، والنفاقُ.

والرعْدُ هو ما يُزعجُ القلوبَ منَ الخوفِ، فإنَّ شأنَ المنافقين الخوفُ الشديدُ والفزعُ.

وَالْبَرْقُ هو ما يَلمعُ في قُلُوبِ هَذَا الْقِسْمِ مِنَ المنافقين في بعضِ الأحيانِ مِن نُورِ الإيمان.


{يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20]
20- ويكادُ هذا البرقُ لِشِدَّتِهِ وقوَّتِهِ أنْ يَسْتَلِبَ أبصارَهم؛ فإذا أضاءَ لهم مَشَوْا فيه، وإذا أظلمَ عليهم وقفوا حائرينَ لا يَدْرونَ أين يذهبون.

والبرقُ كِنايةٌ عن شِدَّةِ ضَوْءِ الحقِّ... وأنَّهم إذا ظَهَرَ لهم مِنَ الإيمانِ شيءٌ استأنسوا به واتَّبَعوه، وتارةً تَعْرِضُ لهمُ الشُّكُوكُ فتُظْلِمُ قُلُوبُهم ويَبْقَوْنَ حائرين!

ولو شاءَ اللهُ لأخذَ سَمْعَ هؤلاءِ المنافقينَ وأبصارَهم، لِمَا تركوا منَ الحقِّ بعدَ معرفتِه، وهو إذا أرادَ بعبادِهِ نِقْمةً كان قادرًا على إنفاذِها.

وهو تحذيرٌ للمنافقين من بأسِهِ وسَطْوَتِه، وأنَّه بهم محيط.


{يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]

21- أيُّها الناس، اعبُدوا الربَّ الذي خلقكم ومَنْ قبلَكم، وَحِّدُوهُ بالعبادةِ ولا تُشْرِكوا به شيئًا؛ فإن الذي تفرَّد بالخلْقِ هو الذي يُفْرَدُ بالعبادة، ولعلَّكُم بهذه العبادةِ الصافيةِ تكونونَ منَ المطيعين وتؤدُّونَ حقَّ الخالق.


{الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]

22- إنَّه الإلهُ الذي خلقَ لكمُ الأرضَ مُمَهَّدةً مُوَطّأةً بما يُناسبُكم ووسائلَ عَيْشِكُمْ، وَجَعَلَ السماءَ كالسَّقْفِ لها، تُرسلُ إليكم بحرارتِها وضوئِها لتنتفعوا بها، وأنزَلَ من سحابِها المطرَ لتَسْقِيَ الزروعَ فيخرجَ منها الثمارُ لتكونَ رزقًا لكم ولأنعامِكم، فلا تجعلوا مع اللهِ إلهًا آخَرَ، ولا تشركوا به أحدًا في عبادتِكم؛ فإنَّه وَحْدَهُ الخالقُ الرازقُ، وأنتم تعلمونَ أنه لا ربَّ لكم يرزقُكم غيرُهُ، فهو وَحْدَهُ المستحِقُّ للعبادَة.


{وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23]

23- وإذا كُنتم في شكٍّ من نُبوَّة محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أيُّها الكافرون، فهاتوا سورةً من مِثْلِ ما جاءَ به إذا زعمتم أنه من عندِ غيرِ الله، فعارِضُوه بمِثْلِ ما جاءَ به، واستعينوا بمن شِئْتُمْ من أعوانِكم.


{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24]

24- فإذا لم تَقْدِرُوا على ذلك، ولن تَقْدِرُوا عليه، فاعلموا أنه كلامُ اللهِ المعجِزُ الحقُّ، واعلموا أن وراءَ إنكارِ الحقِّ نارًا عظيمةً محرِقَةً، تُضْرَمُ في أجسادِ الكفرةِ الظالمين، ومِنَ الحجارةِ الصُّلْبَةِ الضخمةِ الشديدةِ الاشتعال، أُرصِدتْ لمن كان على مِثْلِ ما أنتم عليه مِنَ الكفرِ بالله ورسولِه.


{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 25]
25- أما المؤمنون الذين آمنوا بالله، وبنبوَّتِكَ، وبالكتابِ الذي أُنْزِلَ عليك، وشفعوا ذلك بالعملِ الصالحِ في استقامةٍ وإخلاص، فَأَلْقِ عليهمُ الخَبَرَ السَّارَّ المُفْرِحَ، وبَشِّرْهُم بأنَّ لهم جِنانًا كبيرةً رائعة، تَجري من تحتها المياهُ العذبةُ، لتَجلبَ الأَرْيَحِيَّةَ والنشاطَ، وتُؤْنِسَ وَتَسُرُّ.

وإذا أُعطوا ثمرًا من ثمارِ الجنَّةِ استَبْشَروا وقالوا: إنه يُشبهُ الفاكهةَ التي كُنَّا نَأكلُها في الدنيا، وفَرِحُوا بذلك، فإنَّ الطبائعَ تَسْتأنسُ بالمعهودِ، وتميلُ إلى المألوفِ وتنفِرُ من غيرِ المعروفِ.

وتُؤْتَى لهم ثمارٌ مُشابهةٌ لثمارِ الدنيا، في اللونِ والمَظهَرِ، ولكنَّها تختلفُ في الطَّعْمِ والحجمِ.

ولهم في الجنةِ أزواجٌ مُطَهَّرَاتُ الأبدانِ منَ القَذَرِ والأذى، لا كما هو في الدنيا.

ولتمامِ سعادتِهم في هذا النعيمِ، فإنَّهم خالدون في الجنَّةِ، لا انقضاءَ لمُدَّتِهِ ولا آخِر.

تقييم الموضوع:
الرجاء تقييم الموضوع












الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية ..







الساعة الآن 14:40