حول الوحدة الإسلامية.للشيخ العلامة محمد الغزالي

حول الوحدة الاسلامية للشيخ العلامة :محمد الغزالي > لقد تناسى المسيحيون الحروب الدينيةالتي اتقدت نارها بينهم ..




05-07-2014 22:59
 offline 
المشاركات
1671
تاريخ الإنضمام
09-30-2013
قوة السمعة
40
الجنس
ذكر


حول الوحدة الاسلامية

للشيخ العلامة :محمد الغزالي
>





لقد تناسى المسيحيون الحروب الدينيةالتي اتقدت نارها بينهم خلال القرون الوسطى، واطرحوا الخلافات الكبيرة التي تباعد بينهم في أصول العقيدة، وقرروا أن يلقوا الإسلام وأهله صفاً واحداً وقوى مشتركة.
أما المسلمون فإن الجامعة التي يجب أن تلم شملهم لا تزال حلما، والصفاء الذي ينبغي أن ينير طريقهم لا يزال بعيدا.
ومن بين مظاهر الفرقة التي تثير الأسى ما نشرته الصحف أخيراً أن رجال الشرطة في مدينة كراتشي أعلنوا أن 120 شخصا من المسلمين قد قتلوا ، كما أصيب 26 شخصا آخرون بجراح على اثر معارك دامية نشبت بين السنيين والشيعة في قرية تارى التي تبعد 25 ميلا عن العاصمة الباكستانية، وأن النيران اشتعلت في القرية التي دارت فيها المعارك، وأن اشتباكاً مماثلا وقع في لاهور راح ضحيته شخصان.
كما جاء في الخبر: أن السنيين هم أنصار النبي محمد صلى الله عليه وسلم،بينما الشيعة هم أنصار علي رابع الخلفاء الراشدين... !!
لقد قرأت هذا النبأ الفاجع ثم أطرقت كئيبا كسير النفس: يا أسفاه على هذه الدماء المراقة وهذه الدور المحروقة ، إن الإسلام ليسمع أنينه خلال هذه الأنقاض المركومة، وإن الأخوة في في الله لتذهب بددا مع هذه الغارات الضريرة، لم هذا العراك؟ !
أهو بين المسلمين والمستعمرين الذين اجتاحوا ديارهم؟
أهو بين المسلمين والصهيونيين الذين استولوا على تراثهم ومحوا معالمه وبنوا فوقه دولة لهم؟
يا حسرتاه: إنه بين مسلمين ومسلمين ران عليهم الجهل، فهم في ظلامه يلطم بعضهم بعضا، ويستبيح بعضهم بعضا، والرابح في هذا العراك هو الشيطان وحده.
على أن هذا الخبر يخفي وراءه قصة طويلة الذيول، موغلة في الماضي، ربما كان العوام أخف الناس جرما فيما حفلت به من آثام، أما الذين تثقل كفتهم بالجرائر منهم فهم أولئك الذين يبعثرون بذور الفرقة في كل ناحية ولا يبالون أن تحصد الأجيال مرارتها غارات وثارات، وأن يحصد الإسلام نفسه جناها وهناً في في صفوفه، وتقهقراً لقضاياه.
ليس بين أبناء الإسلام خلاف تراق من أجله دماء قطيع من الغنم، فكيف يلقى في روع الأغرار أن هناك نزاعا بين المسلمين لا يحله إلا السيف؟
إن من أنكر الأمور افتعال الأسباب لتفريق الكلمة وتمزيق الأمة.
ربما اختلفت وجهات النظر في قضية ما، وانشغب الناس حولها مذاهب..
لكن حيث لا تختلف الأفهام ولا تتعدد الأنظار، كيف يستبيح بعض الناس لأنفسهم أن يخلقوا الفُرقة خلقاً، وأن يقحموها على الواقع إقحاماً، لا لشيء إلا لرؤية الناس أحزاباً متناحرة وطوائف متدابرة.
إنني آسف لأن بعض من يرسلون الكلام على عواهنه. لا .. بل بعض من يسوق التهم جزافاً غير مبالين بعواقبها دخلوا في ميدان الفكر الإسلامي بهذه الأخلاق المعلولة فأساءوا إلى الإسلام وأمته شر إساءة.
سمعت واحداً من هؤلاء يقول في مجلس علم: إن للشيعة قرآناً آخر يزيد أو ينقص عن قرآننا المعروف.
فقلت له: أين هذا القرآن؟
إن العالم الإسلامي الذي امتدّت رقعته في ثلاث قارات ظل من بعثه محمد صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا بعد أن سلخ من عمر الزمن أربعة عشر قرناً لا يعرف إلا مصحفاً وحداً مضبوط البداية والنهاية معدود السور والآيات والألفاظ، فأين هذا القرآن الآخر؟ !





ولماذا لم يطلع الإنس والجن على نسخة منه خلال هذا الدهر الطويل؟
لماذا يساق هذا الافتراء؟ !
ولحساب من تفتعل هذه الشائعات وتلقى بين الأغرار ليسوء ظنهم بإخوانهم وقد يسوء ظنهم بكتابهم.
إن المصحف واحد يطبع في القاهرة فيقدسه الشيعة في النجف أو في طهران ويتداولون نسخه بين أيديهم وفي بيوتهم دون أن يخطر ببالهم شيء بتة إلا توقير الكتاب ومنزله – جل شأنه – ومبلغه – صلى الله عليه وسلم – فلم الكذب على الناس وعلى الوحي؟
ومن هؤلاء الأفاكين من روج أن الشيعة أتباع علي، وأن السنيين أتباع محمد، وأن الشيعة يرون عليّا أحق بالرسالة، أو أنها أخطأته إلى غيره !
وهذا لغو قبيح وتزوير شائن.
ولكن تصديق هذا اللغو كان الباعث على تلك المجزرة المخزية التي وقعت بين أبناء الإسلام من سنة وشيعة، فجعلتهم –وهم الإخوة في الدين- يأكل بعضهم بعضاً على هذا النحو المهين.
إن الشيعة يؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ويرون شرف عليّ في انتمائه إلى هذا الرسول وفي استمساكه بسنّته.
وهم كسائر المسلمين لا يرون بشراً في الأولين والآخرين أعظم من الصادق الأمين ولا أحق منه بالاتباع، فكيف ينسب لهم هذا الهذر؟
الواقع أن الذين يرغبون في تقسيم الأمة طوائف متعادية لما لم يجدوا لهذا التقسيم سبباً معقولاً ً لجأوا إلى افتعال أسباب التفرقة، فاتسع لهم ميدان الكذب حين ضاق ميدان الصدق.
لست أنفي أن هناك خلافات فقهية ونظرية بين الشيعة والسنة، بعضها قريب الغور وبعضها بعيد الغور، بيد أن هذه الخلافات لا تستلزم معشار الجفاء الذي وقع بين الفريقين، وقد نشب خلاف فقهي ونظري بين مذاهب السنة نفسها، بل بين أتباع المذهب الواحد منها، ومع ذلك فقد حال العقلاء دون تحوّل هذا الخلاف إلى خصام بارد أو ساخن.
وكان خيراً للشيعة أن يفهموا أن أهل السنة يضمرون أعمق الود لأهل البيت وينفرون أشد النفرة مما يسوءهم. وكان خيراً للسنِّيين أن يفهموا أن الشيعة يلزمون أنفسهم سنن صاحب هذه الرسالة، ويعدون الإنحراف عنه زيغا.
أما ما وقع من اختلاف فقهي أو نظري فلا يعدوا أن يكون وجهات نظر لها مصادرها العلمية ونية أصحابها إلى الله وهم – أصابوا أو أخطأوا – مثابون مأجورون.
وقد يتشدد فريق من الناس فيقول عن الفريق الآخر: إنه مخطئ يقيناً ! ليكن، فما صلة هذا الخطأ بالقلوب وما أودعت من إيمان.
هب خطيباً أخطأ في إعراب كلمة، أو كاتباً أخطأ في إملائها أو حاسباً أخطأ في إثبات رقم، أو مؤرخاً أخطأ في ضبط واقعة. هب ذلك كله وقع، فما صلة هذا الخطأ بحقيقة الدين، ونظم عباد الله طوراً بين المؤمنين وطوراً بين الكافرين؟
إذا كان الرجل يؤمن معي بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويصلي الخمس كل يوم، ويصوم رمضان كل عام، ويحج البيت إن استطاع إليه سبيلاً فكيف أستبيح تكفيره لأنه أخطأ الفهم في بعض القضايا أو أخطأ الوزن لبعض الرجال؟
ليكن هناك خطأ حقيقي وقع فيه هذا أو ذاك، خطأ لا أقبل الاعتراف به، فلماذا لا يترك البت في هذه الأمور للزمان المتطاول يحل المشكلات الفقهية والنظرية بدل أن تحل في معارك الجدل الذي يفقد فيه المجادلون ضمائرهم وصفاءها، أو تحل في معارك القتال الذي تنحل فيه عروة الإيمان ويزأر فيه صوت الشيطان.
إن الخلاف الفقهي أو النظري في كثير من الأمور ليس خبزاً نتناوله كل يوم، والقضايا التي دار فيها هذا النزاع يمكن للمسلمين اطراحها جانباً ونسيانها أمداً، يشتغلون خلاله بالبناء لا بالهدم، بالعمل لله في المحاريب المخبتة أو في الميادين المنتجة.
أما شغل الناس حتماً بخلافات لها أصل –وما أقلّها- أو بخلافات مفتعلة –وما أكثرها- فليس من الدين في قليل ولا كثير.
والذين يحرصون على ذلك ليسوا من الله في شيء.








تقييم الموضوع:
الرجاء تقييم الموضوع












الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية ..







الساعة الآن 05:11