فَوَائِد وَعِبَر مِن قِصَّة أَصْحَاب الكَهْفِ وَالرَّقِيم

السلام عليكم الحمد لله رب العالمين والعاقبة الحسنى للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين المعتدين ، وأشهد أن لا إله إلا ا ..




05-20-2014 19:04
 offline 
المشاركات
2859
تاريخ الإنضمام
09-30-2013
قوة السمعة
280
الجنس
ذكر


السلام عليكم








الحمد لله رب العالمين والعاقبة الحسنى للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين المعتدين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأن نبينا سيد الأولين والآخرين .


 


أما بعد : 


 


فإن الله جل وعلا قص علينا قصصا في القرآن الكريم للاعتبار والتفكر في مضمونها ومعانيها، وفيها مواقف للاتعاظ وحوادث لأخذ الفوائد التي تنفعك في دنياك وآخرتك، ومن تلكم القصص ـ قصة أصحاب الكهف والرقيم ـ التي ذكرها الله في كتابه آية لنبيه صلى الله عليه وسلم، من تدبرها وفقه معانيها ونظر في إشاراتها وجد العجب والعبر والفوائد الكثيرة.


 


فأردت أن أجمع بعض الفوائد والعبر التي استنبطها أهل التفسير من هذه القصة، و أنبه أنه ليس لي فيها إلا الجمع والترتيب مع محاولة المحافظة على كلام أهل العلم قدر الإمكان ( وإن شاء الله يكون هذا مقدمة لسلسة عبر وفوائد من قصص القرآن ) وقد اتخذت لنفسي منهجا في ترتيب هذه العبر والفوائد بأن أبدأ بالفوائد العقدية وأثني بالفوائد المنهجية التربوية وأثلث بالفوائد المتنوعة، فأسأل الله التوفيق وبه أستمد العون والرشاد في شأني كله .


 


فوائد وعبر من قصة أصحاب الكهف والرقيم.


 


أولا : الفوائد العقدية : 


 


ـ الفائدة الأولى : أن قصة أهل الكهف من آيات الله .


قال الله تعالى أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا" وليس المراد بهذا النفي عن أن تكون قصة أصحاب الكهف من العجائب، بل هي من آيات الله العجيبة، وإنما المراد أن جنسها كثير جدا، فالوقوف معها وحدها في مقام العجب والاستغراب نقص من العلم والعقل، بل وظيفة المؤمن التفكر في جميع آيات الله التي دعا الله فيها العباد للتفكر فيها فإنها مفتاح الإيمان وطريق العلم والإيقان (1) . 


 


ـ الفائدة الثانية : أن قصة أصحاب الكهف من دلائل البعث والنشور .


قال ابن كثير رحمه الله :" بعث الله أهل الكهف حجة ودلا على البعث، إذ كان فيهم من يشك في البعث ومنهم من يقول تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد"(2)، ومنها إعلام الناس أن البعث حق، وأن الساعة حق، لدلالة أصحاب الكهف على ذلك(3) ، قال ابن عاشور رحمه الله " من فوائد ذكر قصة أصحاب الكهف أن مما صرف المشركين عن الإيمان إحالتهم الإحياء بعد الموت، فكان ذكر أهل الكهف وبعثهم بعد خمودهم سنين طويلة مثالا لإمكان البعث(4). 


 


ـ الفائدة الثالثة : أن الله قادر على كل شيء .


وأنه لا يعجزه شيء، قال الله تعالى :" أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " قال عطاء : قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك، وقد اختلف السلف في تفسير الرقيم ورجح ابن كثير أنه الكتاب، كتاب مرقوم، وهو ما اختاره ابن جرير رحمه الله ابن كثير والشنقيطي وابن عاشور وابن عثيمين رحمهم الله(5) وقال السعدي :" الرقيم أي الكتاب الذي قد رقمت فيه أسماؤهم وقصتهم " (445).


 


ـ الفائدة الرابعة: زيادة الإيمان ونقصانه .


استدل العلماء بقوله تعالى " وزدناهم هدى " كالبخاري وغيره من الأئمة على زيادة الإيمان وتفاضله وأنه يزيد وينقص(6).


 


ـ الفائدة الخامسة : الطاعة سبب لزيادة الإيمان .


من آمن بربه وأطاعه زاده ربه هدى " وزدناهم هدى "، لأن الطاعة سبب للمزيد من الهدى والإيمان وهذا المفهوم من الآية الكريمة جاء مبينا في مواضع أخر كقوله تعالى :" والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم "، و من كان في طاعة ربه عز وجل أنه تعالى يقوي قلبه ويثبته على تحمل الشدائد والصبر الجميل(7). 


 


ـ الفائدة السادسة : من أعظم الجور والتعدي الشرك بالله .


من أشرك مع خالق السماوات والأرض معبودا آخر فقد جاء بأمر شطط، قال تعالى " لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا "( أصل مادة الشطط المجاوزة في الحد) بعيد عن الحق والصواب وفي غاية الجور والتعدي لأن الذي يستحق العبادة هو الذي يبرز الخلائق من العدم إلى الوجود(8). 


 


ـ الفائدة السابعة :الرد على القدرية.


قال الشنقيطي رحمه الله : يؤخذ من هذه الآية " من يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا " وأمثالها في القرآن بطلان مذهب القدرية: أن العبد مستقل بعمله من خير وشر، وأن ذلك ليس بمشيئة الله بل بمشيئة العبد ، سبحانه جل وعلا عن أن يقع في ملكه شيء بدون مشيئته وتعالى عن ذلك علوا كبيرا(9) .


 


ـ الفائدة الثامنة : اتخاذ القبور في المساجد ليس سبيل الرشاد .


فجعل اتخاذ القبور على المساجد من فعل أهل الغلبة على الأمور، وذلك يشعر بأنه مستنده القهر والغلبة و اتباع الهوى، وأنه ليس من فعل أهل العلم والفضل المتبعين لما أنزل الله على رسوله من الهدى (10) .


 


ثانيا : الفوائد المنهجية والتربوية.


 


ـ الفائدة الأولى : الشباب أهدى للاستقامة من غيرهم .


قال ابن كثير رحمه الله:" ذكر الله تعالى أنهم فتية وهم شباب " إذ أوى الفتية "، وهم أقبل للحق وأهدى للسبيل من الشيوخ الذين قد عتوا وانغمسوا في دين الباطل ولهذا كان أكثر المستجيبين لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم شبابا(11) .


 


ـ الفائدة الثانية : الفرار من الفتن.


المشروع عند وقوع الفتن في الناس أن يفر العبد منهم خوفا على دينه كما جاء في الحديث:" يوشك أن يكون خير مال أحدكم غنما يتبع بها شغف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن "، ففي هذا الحال تشرع العزلة عن الناس ولا تشرع فيها عداها(12) ، قال السعدي رحمه الله :" ومنها : الحث على التحرز والاستخفاء والبعد عن مواقع الفتن في الدين واستعمال الكتمان في ذلك على الإنسان وعلى إخوانه في الدين ومنها شدة رغبة هؤلاء الفتية في الدين وفرارهم من كل فتنة في دينهم وتركهم أوطانهم في الله ... وفي هذه القصة دليل على أن من فر بدينه من الفتن ، سلمه الله منها وأن من حرص على العافية عافاه الله ومن آوى إلى الله آواه الله وجعله هداية لغيره ومن تحمل الذل في سبيله وابتغاء مرضاته كان آخر أمره وعاقبته العز العظيم من حيث لا يحتسب وما عند الله خير للأبرار " (13) . تأمل أخي القارئ هذا الكلام من هذا الإمام .


 


ـ الفائدة الثالثة : الحث على العلم .


قال الله تعالى "قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم اعلم بما لبثتم" دلت على فوائد منها: الحث على العلم وعلى المباحثة فيه لكون الله بعثهم لأجل ذلك ، ومنها: الأدب فيمن اشتبه عليه العلم أن يرده إلى عالمه وأن يقف عند حده "(14) . 


ـ الفائدة الرابعة : من لا يصلح للفتوى لا يسأل:


قال الله تعالى " ولا تستفت فيهم منهم أحدا " ففيها دليل على المنع من استفتاء من لا يصلح للفتوى إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه أو لكونه لا يبالي بما تكلم به وليس عنده ورع يحجزه، وإذا نهي عن استفتاء هذا الجنس فنهيه هو عن الفتوى من باب أولى وأحرى (15).


 


ـ الفائدة الخامسة: لفت العقول إلى الاتعاظ بقصص الغابرين .


قال ابن عاشور : " وفيه لفت لعقول السائلين عن الاشتغال بعجائب القصص إلى الأولى لهم، الاتعاظ بما فيها من العبر والأسباب وآثارها ولذلك ابتدئ ذكر أحوالهم بقوله " إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا ءاتنا من لدنك رحمه وهيئ لنا من أمرنا رشدا "(16) .


 


ـ الفائدة السادسة: ما لم يفصل فيه الوحي مما ذكره فلا فائدة منه.


لم يخبرنا الله بمكان هذا الكهف في أي البلاد من الأرض إذا لا فائدة لنا فيه ولا مقصد شرعي، ولو كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه، فقد قال عليه السلام : " ما تركت شيئا يقربكم إلى الجنة ويباعدكم من النار إلا وقد أعلمتكم به "(17) قال الشنقيطي رحمه الله في : " واعلم أن أصحاب قصة الكهف وأسمائهم وفي أي محل من الأرض كانوا ، كل ذلك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء زائد على القرآن " (18) .


 


ـ الفائدة السابعة: الهداية بيد الله .


قال الشنقيطي رحمه الله :" الهدى والإضلال بيد الله سبحانه وتعالى فمن هداه فلا مضل له ومن أضله فلا هادي له " من يهدي الله فهو المهتدى ومن يضلل فلن تجد له وليل مرشدا " (19) .


 


ـ الفائدة الثامنة: رد العلم إلى الله في أمور الغيب .


الإرشاد إلى أن الأحسن في مقام الكلام في الغيبيات ( قل ربي أعلم بعدتهم) رد العلم إلى الله إذ لا احتياج إلى الخوض في مثل ذلك بلا علم لكن إذا اطلعنا على أمر قلنا به وإلا وقفنا (20). 


 


ـ الفائدة التاسعة: فائدة مصاحبة الأخيار .


قال ابن كثير(21) " ( وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) ، فكلب أهل الكهف أصابه بركة هؤلاء فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحالة وصار له ذكر وخبر وشان"، قال أبو الفضل الجوهري:" إن من أحب أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل فضل وصحبهم فذكره الله في محكم تنزيله(22). ويفهم من ذلك أن صحبة الأشرار فيها ضرر عظيم (23) .


 


 


 


ثالثا: الفوائد المتنوعة .


 


ـ الفائدة الأولى: صحة الوكالة وجوازها .


قال ابن العربي رحمه الله :"هذا يدل على صحة الوكالة، وهو عقد نيابة أذن الله فيه للحاجة وقيام المصلحة إذ يعجزكل أحد عن تناول أموره إلا بمعونة من غيره "، وقال : " في الآية نكتة؛ وهي أن الوكالة فيها إنما كانت مع التقية وخوف أن يشعر بهم أحد لما كانوا يخافون على أنفسهم منهم وأن وجواز توكيل ذي العذر متفق عليه، فأما من لا عذر له فأكثر العلماء على جوازتوكيله "(24)، والوكالة صحيحة وجائزة والدليل عليها قوله تعالى " فابعثوا أحدكم بورقكم هذه" (25) ، وقال ابن عطية رحمه الله : "وفي هذه البعثة بالورق الوكالة وصحتها" (26). 


 


الفائدة الثانية: العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة .


أخذ بعض العلماء من هذه الآية "إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم " أن العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة، لأنهم قالوا " ولن تفلحوا إذن أبدا " فدل على ذلك أن الإكراه ليس بعذر ويشهد له حديث طارق بن شهاب ويفهم من قوله عليه السلام " تجاوز لي عن أمتي" وذكر " ما استكرهوا عليه " أن غير أمته من الأمم لم يتجاوز لهم عن ذلك (27).


 


ـ الفائدة الثالثة: الاستثناء في العزم على أمر في المستقبل .


من الأدب أنك إذا عزمت على فعل شيء في المستقبل أن ترد ذلك إلى مشيئة الله (ولا تقولن لشيئ ...) وإذا نسيت ذلك فقل متى تذكرت ( واذكر ربك إذا نسيت ) فإنه من السنة (28). ولما في ذكر مشيئة الله ، من تيسير الأمر وتسهيله، وحصول البركة فيه، والاستعانة من العبد لربه، ولما كان العبد بشرا لابد أن يسهو فيترك ذكر المشيئة، أمره الله أن يستثني إذا ذكر ليحصل المطلوب ويندفع المحظور(29)، قال الشنقيطي رحمه الله :" وهو قول الجمهور وهو الأظهر من الآية مع العلم أن الاستثناء لا يصح إلا مقترنا بالمستثنى منه ، وأن الاستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أنه تقرر عقد ولا يمين ولا غير ذلك لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك"(30)، وقال ابن عطية رحمه الله : "والآية ليست في الأيمان إنما هي في سنة الاستثناء من غير اليمين ... فلو كان الاستثناء يسقط الكفارة لكان أخف على الأمة ولم يكن لذكر الكفارة فائدة(31) ، قال ابن رجب رحمه الله :" فلا ينبغي أن يخبر بفعل يفعله في المستقبل إلا أن يلحقه بمشيئة الله ، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، والعبد لا يشاء إلا أن يشاء الله له ، فإذا نسي هذه المشيئة ثم تذكرها فقالها عند ذكرها ولو بعد مدة ، فقد امتثل ما أمر به، وزال عنه الإثم ، وإن كان لا يرفع ذلك عنه الكفارة ولا الحنث في يمينه "(32) .


 


ـ الفائدة الرابعة: النسيان من الشيطان وذكرالله يذهبه .


من نسي شيئا فليذكر الله ليتذكره، لأن النسيان من الشيطان وذكر الله يذهب الشيطان فإذا ذهب الشيطان ذهب النسيان فذكر الله سبابا للذكر ، وهذا وجه آخر لتفسير قوله تعالى (واذكر ربك اذا نسيت)(33) ، ويؤخذ من عموم قوله " واذكر بك إذا نسيت " الأمر بذكر الله عند النسيان ، فإنه يزيله ويذكر العبد ما سها عنه وكذلك يؤمر الساهي الناسي لذكر الله ، أن يذكر ربه ولا يكن من الغافلين "(34).


 


 


ـ الفائدة الخامسة: التفاوت بين العد القمري والشمسي .


إن تفاوت مابين كل مئة سنة قمرية غلى الشمسية ثلاث سنين ،فلبث أهل الكهف تسع سنوات وثلاثمائة سنة بالهلالية وثلاثمائة سنة بالشمسية . ( ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا )(35) .


 


هذا والمجال مفتوح لكل تعقيب أو تصحيح أو تكميل .


 


وصلى الله على نبينا محمد وعلى آليه وصحبه أجمعين .


كتبه أخانا في الله: أبو مالك أبو بكر حشمان


حفظه الله
تقييم الموضوع:
الرجاء تقييم الموضوع












الكلمات الدلالية
فَوَائِد ، وَعِبَر ، قِصَّة ، أَصْحَاب ، الكَهْفِ ، وَالرَّقِيم ،







الساعة الآن 23:14