الحضارة الرومانية قبل الإسلام

الجانب العقائدي كانت الدولة الرومانية دولة قوية واسعة الأرجاء، ارتفعت أعلامها على بلاد كثيرة؛ ولكنها كانت ذات حضارة ..




08-19-2015 10:21
 offline 
المشاركات
724
تاريخ الإنضمام
09-30-2013
قوة السمعة
15
الجنس
ذكر



Untitled-5_1

الجانب العقائدي
كانت الدولة الرومانية دولة قوية واسعة الأرجاء، ارتفعت أعلامها على بلاد كثيرة؛ ولكنها كانت ذات حضارة مادية صِرْفة، لم تُرَاعِ متطلبات الرُّوح، ولم يعمر الإيمان أرجاءها؛ لذا فقد مزَّقت الخلافات العقائدية بين طوائف النصارى أواصرها. فالخلاف بين المذهب الأرثوذكسي والكنيسة الشرقية من ناحية، والمذهب الكاثوليكي والكنيسة الغربية من ناحية أخرى، كان خلافًا حادًّا أسفر عن حروب مدمرة قُتِل فيها عشرات الألوف.

بل في داخل الدولة الرومانية الأرثوذكسية الشرقية ذاتها اشتعلت الخلافات العقيمة بين طائفة الملكانية، وتعتقد بازدواجية طبيعة المسيح، وطائفة المنوفيسية، وهم أهل مصر والحبشة، ويعتقدون بطبيعة إلهية واحدة للمسيح، وكانت طائفة الملكانية تقوم بتعذيب الطائفة الأخرى تعذيبًا بشعًا، فيحرقونهم أحيانًا، ويغرقونهم أحيانًا أخرى، مع أنهم جميعًا أبناء مذهب واحد هو الأرثوذكسية [1].

ولم تكن الديانة النصرانية المحرَّفة واضحة أو مفصَّلة في معالجة مسائل الإنسان واحتياجاته الروحية والمادية، ولم يكن من المستغرب بعد ذلك أن تثور حول الديانة وفي صميمها مجادلات كلامية شغلت من فكر الدولة، وأهدرت طاقاتها؛ وكان من أشهر هذه الخلافات خلاف عقائدي بين اثنين من رجال الكنيسة في الإسكندرية، حول تحديد العلاقة بين الأب والابن، أحدهما يسمى آريوس والآخر يسمى أثناسيوس.

ظهر آريوس الإسكندري في وقت كانت جماهير المسيحيين فيه تعتقد أن المسيح ابن الله، وأنه مساوٍ للإله، فلم يقبل آريوس هـذا الرأي، وقال: إن الله خَلَق المسيح من لا شيء، وإن المسيح إنسان. وأنكر أن يكون إلهًا أو شخصًا إلهيًّا، وقال: لا يجوز بذلك أن نسمِّيَ أُمَّه: «والدة الله». وتبعه في ذلك جماعة من المسيحيين[2].

أمَّا أثناسيوس فقال: إن فكرة الثالوث المقدس تُحتِّم أن يكون الابن مساويًا للأب تمامًا في كل شيء، بحكم أنهما عنصر واحد بعينه[3].

وقد ترتَّب على هذه الخلافات أن أمر الإمبراطور الروماني قسطنطين بتكوين مَجْمَع ديني [4] يضمُّ ممثلين من جميع الكنائس المسيحية؛ للبتِّ في شأن الخلاف بين آريوس ومعارضيه، وتقرير مبدأ ومنهج يسير عليه المسيحيون بعد ذلك بكل طوائفهم، وقد مال قسطنطين للرأي القائل بألوهية المسيح [5].

واختار قسطنطين نحو مائة وثمانية عشر أسقفًا من أشدِّ أنصار هذا المذهب، وألَّف منهم مجلسًا خاصًّا في مدينة نيقية عام 325م [6]، وانتهوا إلى عدَّة قرارات، كان من أهمها القرار الخاصُّ بإثبات ألوهية المسيح، ومن ثَمَّ تكفير آريوس واتهامه بالهرطقة[7]، واضطهاده وأتباعه، ثم طرده إلى بلاد الغال (فرنسا) [8].






الجانب السياسي
أمَّا على المستوى السياسي فلم تنجُ حياة الرومان في داخل دولتهم من القسوة، فقد فرضت الدولة الضرائب الباهظة على كل سكان البلاد، وكان أكثرها وأثقلها على الفقراء دون الأغنياء، وكان المجتمع الروماني ينقسم إلى أحرار وهم السادة، وعبيد وهم ثلاثة أضعاف الأحرار من حيث العدد، ولا يتمتعون بأية حقوق، بل مصيرهم في أيدي سادتهم، كما أنهم ليس لهم أي احترام وسط المجتمع، لدرجة أن الفيلسوف أفلاطون نفسه صاحب فكرة المدينة الفاضلة كان يرى أنه يجب ألا يُعطَى العبيدُ حقَّ المواطنة [9]!

ولم تكن القسوة مع العبيد والفقراء فقط، بل وصلت -وبقوة- إلى المرأة الرومانية ذاتها، ففي رومية اجتمع مَجْمَعٌ كبير بَحَثَ في شئون المرأة؛ فقرَّر -بعد عدَّة اجتماعات- أن المرأة كائن لا نفس له! وأنها لهذا لن ترث الحياة الأخروية، وأنها رجس، ويجب ألا تأكل اللحم، وألا تضحك، ومنعوها من الكلام حتى وضعوا على فمها قُفلاً من الحديد؛ فكانت المرأة من أعلى الأُسر وأدناها تروح وتغدو في الطريق أو في دارها وعلى فمها قُفلٌ! [10].

الجانب العسكري
ولأن الحضارة الرومانية حضارة مادية فقد تميَّزت بالاهتمام بالقوَّة المادية متمثلةً بشكل خاصٍّ في القوَّة العسكرية؛ فقد اهتمَّ الرومان بالجيش اهتمامًا فكريًّا واستراتيجيًّا بالغًا؛ فكان تنظيم وحدات الجيش البيزنطي يتناسب مع التكتيك الذي يخوضون به القتال في براعة وكفاءة، وكان أسلوب القتال غير ثابت، وإنما كان يختلف من معركة إلى أخرى، ويتوقف على ما يتوقعه القادة البيزنطيون من تكتيكات العدو؛ ولذلك كانوا يدرسون بعناية الأساليب التكتيكية لأعدائهم المنتظَرين، ثم يحدِّدُون الأسلوب الذي يتبعونه، وظهرت عندهم بعض الكتب العسكرية قبل عصر الفتوح الإسلامية وبعده، فقد وضع موريس [11] كتابًا عنوانه (الاستراتيجية) عام 580م[12]؛ وذلك بعد مولد الرسول صلى الله عليه وسلم بسنوات قليلة.

ولم يكن هذا الاهتمام بالقوَّة العسكرية نظريًّا فقط؛ إنما اهتمَّ الرومان كذلك بتقوية وتدعيم الجيش، كما فعل هرقل [13]، الذي انتصر بهذا الجيش القوي على السلاف والفرس (622- 628م)، وكانت فرقة فرسان القائد بليزاريوس الثقيلة تشكِّل القوة الرئيسية للجيش البيزنطي على مرِّ العصور[14].

وقد اهتمَّ قادة الرومان بتدعيم المقاتلين بالدروع والأسلحة المتنوعة، وحتى الخيول كانت تامَّة التجهيز، كما اهتمَّ الحكام بزيادة أعداد الجنود والقادة؛ فقد بلغ عدد الجيش الروماني الذي واجه المسلمين في اليرموك [15] أكثر من مائتي ألف مقاتل[16].

كان الرومان إذن يمتلكون القوة المفرطة، مع انعدام في الدين والأخلاق؛ لذا فقد وصلت الوحشية في الجيوش الرومانية إلى درجة بالغة السوء، وما أكثر الجرائم العنيفة التي كانت تُرتكب في حق شعوب الأرض على أيديهم، وليس أدل على ذلك مما فعلوه في عهد الإمبراطور (فسبسيان)، حين حاصر الرومانُ اليهودَ في القدس (وكان اليهود يسمونها أورشليم) لمدة خمسة أشهر، انتهت في سبتمبر سنة 70 ميلادية، ثم سقطت المدينة في واحدة من أشد هزائم التاريخ مهانة!

فقد أعمل القائد الروماني النهب والحرق والقتل، وأحرق المعبد اليهودي حتى لم يَبق حجر على حجر، وقد بيع كثير من الأسرى عبيدًا في مختلف الأسواق الرومانية بأبخس الأثمان، وأُخِذ بعضهم إلى روما حيث قاموا بصلبهم وتعذيبهم هناك، وأُرسل آخرون إلى مصر ليعملوا في مناجمها مدى الحياة، إلى غير ذلك من وسائل القهر والإذلال[17].

[1] ألفرد. ج. بتلر: فتح العرب لمصر ص71، 72.
[2] جارديه وقنواتي: فلسفة الفكر الديني 2/287.
[3] انظر: ج. لورتس: تاريخ الكنيسة ص67.
[4] المجمع: أصله من المجمع أو الكنيس وهو مكان يجتمع فيه اليهود للعبادة، واستعملت الكلمة للدلالة على جماعة من اليهود يتلاقون لغرض ديني منذ عهد موسى ، أما المجمع المسكوني فهو مجمع يشمل كل ممثلي الكنيسة الدينيين النصارى، وتعتبر قراراته أساسًا للعقيدة، وتصبح قوانين إذا أقرها البابا، ويعترف الكاثوليك بعشرين مجمعًا مسكونيًّا وهي عقدت في أزمنة مختلف، ويعترف الأرثوذكس بسبعة مجامع فقط؛ منها نيقية 325م، وخلقدونية 451م. انظر: الموسوعة العربية الميسرة 6/3028-3030.
[5] محمد عطاء الرحيم: عيسى يُبشر بالإسلام ص157، نقلاً عن نهاد خياطة: الفرق والمذاهب المسيحية ص84، 85.
[6] نيقية: مدينة تقع في الشمال الغربي لآسيا الصغرى، وموضعها الآن قرية أسنيك التركية.
[7] الهَرْطَقة: البدعة في الدِّين عند المسيحيين. انظر: أحمد مختار عبد الحميد عمر: معجم اللغة العربية المعاصرة 3/2343.
[8] انظر: محمود الحويري: رؤية في سقوط الإمبراطورية الرومانية ص79، 80، ورجاء جارودي: الإسلام ص33.
[9] عباس محمود العقاد: موسوعة عباس العقاد الإسلامية، المجلد الخامس- بحوث إسلامية، ص210.
[10] انظر: محمد فريد وجدي: الإسلام دين عام خالد ص166، وعفيف عبد الفتاح طباره: روح الدين الإسلامي، ص357.
[11] موريس: فلافيوس موريسيوس تيبيريوس أغسطس (539-602م)، إمبراطور بيزنطيٌّ حكم في الفترة (582-602م)، أعاد كسرى الثاني إلى عرش فارس سنة 591م، وقتل على يد المغتصب فوقاس. انظر الموسوعة العربية الميسرة، 6/3274.
[12] انظر: أحمد عادل كمال: الطريق إلى دمشق، ص44.
[13] هرقل (575-641م): هو فلافيوس أغسطس هرقل، إمبراطور بيزنطة حكم ما بين (610-641)، وهو الإمبراطور البيزنطي الذي عاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد خسرت الإمبراطورية البيزنطية في عهده بلاد الشام ومصر والجزائر وشمال إفريقيا بفتحها على أيدي المسلمين.
[14] أحمد عادل كمال: الطريق إلى دمشق، ص42.
[15] اليرموك: معركة وقعت في شمال الأردن قرب نهر اليرموك بين المسلمين والإمبراطورية البيزنطية انتصر فيها المسلمون (15هـ=636م)، وهي من أهم المعارك الإسلامية لأنها كانت أول انتصار للمسلمين خارج جزيرة العرب.
[16] انظر: الطبري: تاريخ الرسل والملوك 3/402، وابن الجوزي: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 4/118، وابن الأثير: الكامل في التاريخ 2/255.
[17] مصطفى مراد *الدباغ: بلادنا فلسطين 9/68-70 بتصرف يسير.




تقييم الموضوع:
الرجاء تقييم الموضوع












الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية ..







الساعة الآن 17:32