لهذه الأسباب ينجح الأندونيسيون في تنظيم ربع مليون حاج

ناصر صحافي، ومدير المكتب الجهوي لجريدة الشروق بقسنطينة منذ تسلم السيد يوسف عزوزة قيادة ديوان الحج والعمرة، طُرح تنظيم ..




09-13-2015 00:43
 offline 
المشاركات
724
تاريخ الإنضمام
09-30-2013
قوة السمعة
15
الجنس
ذكر

hadj7_569675718






ناصر
صحافي، ومدير المكتب الجهوي لجريدة الشروق بقسنطينة

منذ تسلم السيد يوسف عزوزة قيادة ديوان الحج والعمرة، طُرح تنظيم هذه الشعيرة بقوة، وطُرحت بالخصوص التجربة الماليزية وخاصة الأندونيسية التي تبهر الجزائريين دائما، بنظامها الصارم والذي يقدّم الإنسان الاندونيسي كمسلم متحضر ومعاصر أيضا، يقوم بشعيرته بأقل جهد وبتنظيم رائع وفي فرح لا يوصف، ولكن يبدو أن الأمر يحتاج إلى الاستفادة المباشرة من التجربة الأندونيسية، إما بانتداب أندونيسيين إلى الجزائر أو إرسال بعثة جزائرية تأخذ من هذه التجربة كما فعل الباكستانيون والأتراك وغيرهم من الشعوب الإسلامية التي صارت ترى في حجاجها سفراء لبلدها وأيضا للإسلام، وهذا باعتراف المنظمين السعوديين الذين لا يجدون أي مشكلة مع الحجاج الأندونيسيين الذين سيقارب عددهم الربع مليون حاج خلال الموسم الحالي 2015.
وتزامن نظام الحج البديع المتبع في أندونيسيا مع ثورتها الصناعية والزراعية الرهيبة، التي جعلت العالم الإسلامي يفتخر بها لأنها حاليا صارت، ضمن العشرين الكبار اقتصاديا في العالم، فهي مكتفية ذاتيا في كل المنتجات الزراعية والصناعية الخفيفة والثقيلة وانتقلت منذ عقدين للتصدير لكل بقاع المعمورة من بواخر وطائرات إلى أمريكا وروسيا واليابان، وهي في الحقيقة أهم نموذج من المفروض أن تتبعه الجزائر لأن تطورها جاء مباشرة بعد أن تحوّلت من مصدر للنفط إلى مستورد له، وكانت في زمن بحبوحتها البترولية من أفقر بلاد العالم ولكن تطور البلد بنمطه الاجتماعي الخاص، جعله أيضا مثالا دينيا كما هو دنيويا، ويثير قرابة الربع مليون حاج أندونيسي الذين يؤمون الأماكن المقدسة في الأيام القادمة الاحترام والإعجاب، بنظام مدهش، جعلهم أسوة لكثير من الدول في جنوب شرق آسيا، مثل ماليزيا والهند وسنغفورة، وتبذل البقية جهدا للحاق بهذا النظام الذي سيجعل الحج متعة دنيوية كما هو متعة أخروية.

ويبدأ الإبهار منذ أن تنطلق أفواج الحجاج الأندونيسيين عبر جاكارتا وسامارنغ وصورا بايا وغيرها، في أجواء منظمة أيضا، لا تطرح على شركة الطيران المكلفة بنقلهم أي مشكلة، وتخصص لهم السلطات الأندونيسية ظروف انتقال خاصة، لا ينعم بها بقية المواطنين وزوار البلد، ويساعد هذا الربع مليون حاج، مسؤولي المطارات والجمارك ورجال الشرطة من خلال تنقلهم صامتين لا تنطق شفاههم سوى ذكر الله ومنظمين، وبمتاع قليل سواء في الذهاب أو في العودة، حيث ينقلون معهم ماء زمزم ومصاحف مترجمة لمختلف اللغات فقط، كهدية للأهل والأصدقاء، ويفضل غالبية الحجاج الأندونيسيين، البقاء لمدة تتراوح ما بين أسبوع إلى أسبوعين بعد نهاية مناسك الحج، خاصة أن الحكومة الأندونيسية لم تعد تسمح بتكرار أداء الفريضة مرة ثانية، حتى يتمكن كل الاندونيسيين الراغبين في الحج أداء الفريضة الخامسة.



التسجيل في البنوك منذ الصغر والتربص ضروري

لا تتوقف أندونيسيا بالرغم من عمليات أشغال التوسعة للحرم المكي عن مطالبة المملكة العربية السعودية برفع حصتها، وحلمها أن تصل رقم نصف مليون حاج حتى تلبي كل الطلبات الملحة من سكانها لزيارة بيت الله الحرام، وروى للشروق اليومي الحاج عبد الرحيم أمين وهو حاصل على ليسانس في العلوم الشرعية من جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة وأدى الفريضة في أربع مناسبات، أسباب نجاح الأندونيسيين في تسيير الحج.

إذ تشترك الدولة مع الحاج في إنجاح المهمة، وتبدأ رحلة المناسك منذ أن ينوي الأندونيسي أو الأندونيسية زيارة بيت الله الحرام، حيث يتم التركيز على الاستطاعة الصحية والذهنية فقط، أما بالنسبة للاستطاعة المادية، فهي محسومة ولا تسبب أي مشكلة للفرد. في أندونيسيا كل من أراد الحج بما في ذلك الفقراء ما عليه سوى التسجيل والصبر في بنك المدينة التي يسكن فيها، ويدفع تسبيقا ماليا بسيطا، عبارة عن أول خطوة ثم تضع البنك أمام ناوي الحج عددا من الرزنامات لأجل الدفع من دون فوائد طبعا، وهو نصر معنوي لأن الحاج سيوفر على نفسه واحدة من واجبات الحج وهي النية، حتى إذا لحق بالرفيق الأعلى قبل أدائه الحج كتبه الله حاجا لأن الأعمال بالنيات .

وقد يتواصل الدفع من سن العشرين مثلا لمدة عشرين سنة، وحينها يتم إخطاره بالسنة التي يكون فيها المبلغ قد اكتمل والحاج قد استعد للحج، فبالرغم من أن عدد الراغبين في أداء مناسك الحج في أندونيسيا قد يصل إلى عشرة ملايين مواطن أو أكثر في السنة، إلا أن القرعة لم تستعمل أبدا وصاحب الأقدمية في النية هو الأولى قبل غيره، وتساعد الدولة بعض كبار السن في تقديم سفريتهم.



كل الفقراء بإمكانهم الحج والدفع بعد الفريضة؟

وفي الغالب لا يدفع الحاج كل الأقساط، ويواصل الحاج بعد عودته من البقاع المقدسة دفع مستحقاته ضمن برنامج محدد، وأخذت أندونيسيا عن جارتها ماليزيا نظامها البنكي الإسلامي الناجح، وحققت به قفزتها البنكية والاقتصادية والمالية واستعملتها في نظام الحج، حتى أصبح بإمكان الحاج الأندونيسي أن يحقق فريضة الحج، والاستفادة المادية أيضا، حيث تقوم المؤسسة البنكية بإقامة مشروع معلوم، بهذه الأموال وتقدم للحاج ربحه، بطريقة إسلامية أقرها الفقهاء، ضمن المذهب الشافعي الذي يتبعه الأندونيسيون في عمومهم.

ويكمن اهتمام الأندونيسيين بإنجاح مناسك الحج في كون عددهم حاليا هو الأهم بعد الحجاج السعوديين، لأجل ذلك أخطرنا إمام مسجد الاستقلال بجاكارتا الشيخ حسن علي، بأن همّ أندونيسيا مثل السعودية تماما وهو تشريف العالم الإسلامي، فكل المسجلين الذين تأكد سفرهم للبقاع المقدسة يدخلون في تربصات دورية تقدم خلالها دروس للحاج، قد تصل إلى سنة كاملة يعرف فيها دوره الديني والدنيوي ويتعلم حتى بعض الجمل باللغة العربية، ويتم توفير رئيس لكل فوج يتقن العربية وفقيه في دينه يوجه الحجاج والحاجات، كما يشاهده باستمرار كل المعتمرين والحجاج الجزائريين، ناهيك عن دوره التحسيسي لتفادي بعض الأمراض أو مساعدة الفقراء والمرضى ليس من الأندونيسيين وإنما من كل بلاد العالم .

ومن المستحيل أن تجد حاجا أندونيسيا في الأسواق باستثناء مصنع ماء زمزم أو مركب الملك فهد لطباعة المصاحف، لأن غالبية المنتجات الموجودة في السعودية من إنتاج أندونيسيا وهي متوفرة في البلاد بكثرة وبسعر أقل ونوعية أحسن، كما أن غالبية حجاج أندونيسيا لا تزيد أعمارهم عن الخمسين، وهذه التربصات تجعل الحاج الأندونيسي طبيبا لنفسه، حيث يتم تلقينه كيف يقدم لنفسه الإسعافات الأولية في أي طارئ، وكيف يُسعف غيره، ويحفظ خلالها الكثير من سور القرآن الكريم، ومن دون أن يرتدوا لباسا مميزا ومن دون حمل العلم الاندونيسي، فإن الحجاج الأندونيسيين، صاروا معروفين من بين الثلاثة ملايين من زوار بيت الله الحرام بنظامهم الصارم الذي ينافس الفيالق العسكرية، أما آخر ما قام به الأندونيسيين فهو نقل تعلم أداء الحج إلى دور الحضانة، حيث ترسم مجسما للكعبة، وتحفظ الأطفال التلبية والتسبيح، وكيفية الرجم والسعي وغيرها فيصبح الحج في العقل والقلب.



يتم تقسيم قرابة ربع مليون حاج أندونيسي إلى أفراج صغيرة، يؤمها قيادة وذكرا أورعهم وأوفرهم بسطة سنا وصحة وعلما، مكبرا وملبيا وهم يتبعونه، ينشرون ابتساماتهم في فرح كبير، برغم الحرارة الشديدة والإرهاق، وكل وكالة لا توفر هذه التربصات العلمية يتم توقيفها عن العمل لأنها ستسيء للبلد ولا تساعد الحاج دينيا ودنيويا. صحيح أن الإنسان الأندونيسي بطبعه مسالم، فلا تسمع صوته في حياته العادية إلا نادرا ولا تحدث أبدا الشجارات في بلد الربع مليار نسمة، ولكن النظام الصارم هو الذي جعل حج الأندونيسيين تحفة دنيوية ودينية تبهر الناس وتنتظر من يقلدها في الجزائر.




تقييم الموضوع:
الرجاء تقييم الموضوع












الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية ..







الساعة الآن 03:24