قريش وهجرة الصحابة إلى المدينة

هجرة الصحابة إلى مكة واضح أن هجرة الصحابة من مكة إلى المدينة لم يكن أمرًا بسيطًا؛ بل كانت الهجرة تعني البذل والعطاء ..




10-19-2015 04:09
 offline 
المشاركات
724
تاريخ الإنضمام
09-30-2013
قوة السمعة
15
الجنس
ذكر



shapeasrhgar

هجرة الصحابة إلى مكة
واضح أن هجرة الصحابة من مكة إلى المدينة لم يكن أمرًا بسيطًا؛ بل كانت الهجرة تعني البذل والعطاء والتعب والنصب؛ ولكنها على العموم نجحت، واستطاع غالب الصحابة والصحابيات أن يصلوا إلى المدينة، وقد كان معظم الهجرة في شهري المحرَّم وصفر من السنة الرابعة عشر من النبوة؛ أي بعد بيعة العقبة الثانية بشهر واحد أو أقل.

ولم يبقَ في مكة إلا القليل جدًّا من الصحابة منهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وعائلته، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان بقاؤهما بأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا بالإضافة إلى المستضعفين من المسلمين[1]، الذين لم تكن لهم القدرة على الهجرة مثل عبد الله بن عباس وأُمِّه رضي الله عنهما [2].

تأثر قريش بهجرة الصحابة
وكانت قريش ترقب الموقف على وجل؛ فإنها صارت تُفاجَأ كل يوم بهجرة رجل أو رجلين أو عائلة؛ بل إن بعض الفروع من القبائل قد هاجرت بكاملها، وخلت كثير من ديار مكة من سكانها، وقد أثَّر ذلك في قريش وزعمائها، فما منهم من أحد إلا وله قريب أو ابن مهاجر؛ مما مزَّقهم بين الحُبِّ الفطري لأبنائهم وأقاربهم وبين كراهيتهم وتغيُّظهم على هذا الدين، الذي تسبب في هذا الفراق، وكان من أبلغ الأمثلة على هذا التمزُّق ما رُوِي عن ابن إسحاق في أمر هجرة آل جحش رضي الله عنهم.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وهو يسرد أسماء المهاجرين إلى المدينة: "ثُمَّ عبد الله بن جحش بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ صَبْرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، احْتَمَلَ بِأَهْلِهِ وَبِأَخِيهِ عَبْدِ بْنِ جَحْشٍ، وَهُوَ أَبُو أَحْمَدَ -وَكَانَ أَبُو أَحْمَدَ رَجُلاً ضَرِيرَ الْبَصَرِ، وَكَانَ يَطُوفُ مَكَّةَ، أَعْلاَهَا وَأَسْفَلَهَا، بِغَيْرِ قَائِدٍ، وَكَانَ شَاعِرًا، وَكَانَتْ عِنْدَهُ الْفرعة بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ [3]، وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمَيْمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ- فَغُلِّقَتْ دَارُ بَنِي جَحْشٍ هِجْرَةً، فَمَرَّ بِهَا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والعباس بن عبد المطلب، وَأَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهِيَ دَارُ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ الْيَوْمَ الَّتِي بِالرَّدْمِ [4]، وَهُمْ مُصْعِدُونَ إلَى أَعَلَى مَكَّةَ، فَنَظَرَ إلَيْهَا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ تَخْفِقُ أَبْوَابُهَا يَبَابًا [5]، لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ، فَلَمَّا رَآهَا كَذَلِكَ تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ، ثُمَّ قَالَ:

وَكُلُّ دَارٍ وَإِنْ طَالَتْ سَلاَمَتُهَا *** يَوْمًا سَتُدْرِكُهَا النَّكْبَاءُ وَالْحُوبُ

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ لأَبِي دُؤَادٍ الإِيَادِيِّ [6] فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَالْحُوبُ: التَّوَجُّعُ، (وَهُوَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْحَاجَةُ، وَيُقَالُ: الْحُوبُ: الإِثْمُ).

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ عُتْبَةُ: أَصْبَحَتْ دَارُ بَنِي جَحْشٍ خَلاَءً مِنْ أَهْلِهَا! فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَمَا تَبْكِي عَلَيْهِ مِنْ قُلِّ بْنِ قُلٍّ [7]. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْقُلُّ: الْوَاحِدُ. قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ:

كُلُّ بَنِي حُرَّةٍ[8] مُصِيرُهُمْ *** قُلُّ وَإِنْ أَكْثَرَتْ مِنَ الْعَدَدِ

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ[9]: هَذَا عَمَلُ ابْنِ أَخِي هَذَا، فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَشَتَّتْ أَمْرَنَا وَقَطَعَ بَيْنَنَا"[10].

تخوفات قريش من هجرة الصحابة
فهذه صورة من النزاع الفكري والتشتُّت الذي عاشته مكة نتيجة هجرة المسلمين إلى المدينة، ولم يكن هذا فقط هو الهاجس الذي يُغضب الكافرين؛ ولكنهم كانوا يخافون كذلك من انتشار الإسلام في الجزيرة؛ لأن هذا قد يسلب قريشًا زعامتها التي تكتسبها من رعايتها للكعبة؛ لأن الإسلام -أيضًا- يدعو لتعظيم البيت الحرام، وقد يُصبح المسلمون هم الرعاة لبيت الله الحرام في حال هزيمة قريش في نزال محتَمل، بالإضافة إلى أن دعوة الإسلام ستُؤَثِّر حتمًا على اقتصاد مكة؛ لأن تعاليمه ستقضي مع مرور الزمن على تجارة بيع الأصنام والخمور والربا والبغاء.

ولم يكن يخفى على قريش أن الهجرة الأخيرة تمَّت كلُّها إلى المدينة، وليس إلى الحبشة أو أي مكان آخر، بدليل ذهاب أبي جهل لإرجاع أخيه عياش بن أبي ربيعة رضي الله عنه من هناك، فوضح للمشركين أن المسلمين يُهاجرون لبناء أُمَّة مسلمة في المدينة، ولو تمَّ ذلك فلا شكَّ أنهم سيعودون إلى مكة يومًا ما، لا لمجرَّد السكن فيها؛ ولكن لحكمها، ووقت يحكمونها فلن يقبلوا أن يظلَّ العرب وغيرهم يتحاكمون إلى هُبَل وسدنته؛ بل سيُحَكِّمون ربَّ العالمين كما عَلَّمهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم طوال ثلاثة عشر عامًا قضاها في مكة لهذا الغرض؛ ولذلك كان المشركون في أشدِّ حالات اضطرابهم وقلقهم.

أضف إلى ذلك علم أهل قريش ببأس الأوس والخزرج، وأنهم من أهل القتال، أو بتعبير البراء بن معرور رضي الله عنه: "فَنَحْنُ أَهْلُ الْحُرُوبِ وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ". وكان القرشيون يعلمون كذلك أن المدينة حصينة جدًّا، وأنها تقع على طريق القوافل التجارية لأهل قريش والمتجهة من وإلى الشام؛ ومن ثمَّ فإنها تستطيع أن تخنق مكة اقتصاديًّا، ومكة كانت تتاجر بربع مليون دينار ذهبًا سنويًّا مع الشام في رحلة الشتاء[11].

وفوق كل ذلك فالطامَّة الكبرى لو آمن اليهود، وانضمَّت قوَّتهم إلى قوَّة المسلمين، وقد كان اليهود ذوي قوَّة كبيرة عسكريًّا وماديًّا، والعقل كان يُرَجِّح إسلام اليهود؛ لأنهم أهل كتاب ويُؤمنون بالأنبياء، غير أن اليهود لا عقل لهم!

كلُّ هذه الأمور جعلت أهل قريش في حيرة من أمرهم، وقد علموا أنه كلَّما مرَّ الوقت اقتربت ساعة الصفر التي سيغزو فيها المؤمنون مكة؛ لكن زعماء قريش كانوا يُدركون -أيضًا- أن ساعة الصفر هذه لن تكون إلا بعد أن يُهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ويُوَحِّد صفوفه، ويُجَهِّز جيوشه، ثُمَّ يأتي من جديد إلى مكة. إذن فحجر الزاوية في الموضوع هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوسيلة الوحيدة لوقف خطر المؤمنين الداهم هو السيطرة عليه صلى الله عليه وسلم، ولكن كيف؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم القبيلة العزيزة الشريفة؟!

[1] قال ابن إسحاق: وَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ بَعْدَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ مَعَهُ بِمَكَّةَ أَحَدٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلَّا مَنْ حُبِسَ أَوْ فُتِنَ، إلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ الصِّدِّيقُ رضي الله عنهما... وَتَلَاحَقَ الْمُهَاجِرُونَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يَبْقَ بِمَكَّةَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، إلَّا مَفْتُونٌ أَوْ مَحْبُوسٌ، وَلَمْ يُوعَبْ أَهْلُ هِجْرَةٍ مِنْ مَكَّةَ بِأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ إلَّا أَهْلُ دُورٍ مُسَمَّوْنَ: بَنُو مَظْعُونٍ مِنْ بَنِي جُمَحٍ، وَبَنُو جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، حُلَفَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَبَنُو الْبُكَيْرِ، مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ، حُلَفَاءُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَإِنَّ دُورَهُمْ غُلِّقَتْ بِمَكَّةَ هِجْرَةً، لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ. انظر: ابن هشام: السيرة النبوية 1/480، 499، وقال ابن سعد: وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمْ يَبْقَ بِمَكَّةَ مِنْهُمْ إِلا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَلِيٌّ، أَوْ مَفْتُونٌ مَحْبُوسٌ، أَوْ مَرِيضٌ، أَوْ ضَعِيفٌ عَنِ الْخُرُوجِ. انظر: ابن سعد: الطبقات الكبرى 1/175.
[2] ذكر البخاري في صحيحه في مقدمة باب إذا أسلم الصبي فمات هل يُصَلَّى عليه؟ وهل يُعْرَض على الصبي الإسلام؟: قَالَ الحَسَنُ، وَشُرَيْحٌ وَإِبْرَاهِيمُ، وَقَتَادَةُ: «إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا فَالوَلَدُ مَعَ المُسْلِمِ» وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما مَعَ أُمِّهِ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَبِيهِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، وَقَالَ: «الإِسْلاَمُ يَعْلُو وَلاَ يُعْلَى». وعن ابن عباس ب أنه قال: «كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنَ الوِلْدَانِ وَأُمِّي مِنَ النِّسَاءِ». البخاري: كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يُصَلَّى عليه؟ وهل يُعْرَض على الصبي الإسلام، (1291)، وعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما تَلاَ: {إِلاَّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ} [النساء: 98]، قَالَ: «كُنْتُ أَنَا وَأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللهُ». البخاري: كتاب التفسير، سورة النساء، (4312).
[3] هكذا عند ابن هشام، والكلاعي: الاكتفاء 1/274، والذهبي: تاريخ الإسلام 1/313. وهي بلفظ: «الفارعة بنت أبي سفيان». انظر: ابن الأثير: أسد الغابة 7/210، ومحب الدين الطبري: ذخائر العقبى ص254، وابن سيد الناس: عيون الأثر 1/201، وابن كثير: البداية والنهاية 3/209، وابن حجر: الإصابة 8/259، والصالحي: سبل الهدى والرشاد 3/225.
[4] قال السهيلي: الرَّدْمُ حَفْرٌ بِالْقَتْلَى فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَسُمِّيَ الرَّدْمَ، وَذَلِكَ فِي حَرْبٍ كَانَتْ بَيْنَ بَنِي جُمَحَ وَبَيْنَ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، وَكَانَتِ الدّبَرَةُ فِيهَا عَلَى بَنِي الْحَارِثِ؛ وَلِذَلِكَ قَلَّ عَدَدُهُمْ فَهُمْ أَقَلُّ قُرَيْشٍ عَدَدًا. انظر: السهيلي: الروض الأنف 4/105.
[5] أَرْضٌ يَبابٌ؛ أَي خرابٌ، واليَبابُ عند العرب الذي ليس فيه أحد. انظر: ابن منظور: لسان العرب، 1/806.
[6] أبو دؤاد جويرية بن الحجاج الإيادي، من الشعراء القدماء. انظر: ابن حجر: تبصير المنتبه بتحرير المشتبه 2/556، وقال السهيلي: وَاسْمُهُ حَنْظَلَةُ بْنُ شَرْقِيّ، وَقِيلَ: جَارِيَةُ بْنُ الْحَجّاجِ. انظر: السهيلي: الروض الأنف 4/ 105.
[7] قُلٌّ بن قُلٍّ؛ أي لا يُعرَفُ هو ولا أبوه. ورجلٌ قُلٌّ: فردٌ لا أَحدَ له. المعجم الوسيط 2/756.
[8] الحُرَّة: نقيض الأَمَة، والحُرَّةُ: الكريمة من النساء. ابن منظور: لسان العرب، 4/177.
[9] في رواية ابن كثير: «ثُمَّ قَالَ -يَعْنِي لِلْعَبَّاسِ-: هَذَا مِنْ عَمَلِ ابْنِ أَخِيكَ هَذَا، فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَشَتَّتَ أَمْرَنَا، وَقَطَّعَ بَيْنَنَا».
[10] ابن هشام: السيرة النبوية 1/470، 471، وانظر: الكلاعي: الاكتفاء 1/274، وابن كثير: البداية والنهاية 3/209، ومحمد إلياس عبد الرحمن الفالوذة: الموسوعة في صحيح السيرة النبوية (العهد المكي) ص522، وذكر هذه الرواية مجدي فتحي السيد دون تعليق في صحيح السيرة النبوية لابن هشام، ص169، 170.
[11] لقد كانت بعض القوافل تسير في ألفي بعير، حمولتها تزيد على خمسين ألف دينار، وكانت صادرات مكة السنوية -على ما قدَّرها المستشرق «سبرنجر» توازي مائتين وخمسين ألفًا من الدنانير؛ أي نحو مائة وستين ألف جنيه ذهبًا. انظر: محمد حسنين هيكل: حياة محمد صلى الله عليه وسلم ص258، ونقله عنه سعيد بن محمد الأفغاني: أسواق العرب في الجاهلية والإسلام ص139






د.راغب السرجاني



تقييم الموضوع:
الرجاء تقييم الموضوع












الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية ..







الساعة الآن 17:34